تسابق الحكومة الفرنسية برئاسة سيباستيان لوكورنو، الزمن لإعداد موازنة 2027، في محاولة لخفض العجز والدين العام عبر توفير نحو 30 مليار يورو. وفي قلب هذه الخطة، تبرز مقترحات تستهدف معاشات المتقاعدين، بما قد يوفر نحو 6 مليارات يورو، وسط اعتراضات سياسية ومخاوف من تداعيات هذه الإجراءات على مستقبل لوكورنو وحكومته.
يضع رئيس الحكومة الفرنسية، سيباستيان لوكورنو، اللمسات الأخيرة على مشروع موازنة 2027 بحلول نهاية الأسبوع، قبل أن تتم إحالته إلى البرلمان لبدء مناقشته في نهاية سبتمبر/أيلول الجاري.
وبينما اقترح تخصيص 1,5 مليار يورو من أجل محاربة ظاهرة العنف الممارس ضد النساء، و2,5 مليار يورو لدعم وحماية الطفولة، أكد لوكورنو بالمقابل، أنه سيطلب من المتقاعدين المزيد من الجهود ومساهمة مالية أكبر منهم.
والهدف هو نفسه: تقليص العجز المالي الذي تعاني منه فرنسا وخفض قيمة الدين العام، الذي تجاوز 3500 مليار يورو.
لكن وزير العمل، جان بيير فاراندو، أكد أن "الأمر لم يُحسم بعد"، مشيرًا إلى أنه "يجب قبل كل شيء تحديد هؤلاء المتقاعدين وطبيعة الجهد الذي سيُطلب منهم".
بالمقابل، ووفق تصريحات وزير الاقتصاد، رولان لوسكور، فإن المبلغ الذي تنوي الحكومة توفيره لخفض العجز والدين العام معروف يقدر بنحو 30 مليار يورو.
ولتحقيق ذلك، تعتزم الحكومة مطالبة المتقاعدين بالمساهمة بنحو 6 مليارات يورو، وفق ما أعلنه وزير الحسابات العامة، دافيد أمييل، الأسبوع الماضي على إذاعة "سود راديو". أي ما يعادل خُمس إجمالي الجهد المالي المطلوب.
ويعود اختيار هذه الفئة الاجتماعية (أي المتقاعدين) إلى ضخامة الأموال المرتبطة بنظام التقاعد وإلى عدد الأشخاص الذين يتلقون معاشًا تقاعديًا في فرنسا، والذي يُقدَّر بأكثر من 17,2 مليون شخص، وفق بيانات مديرية البحوث والدراسات والتقييم والإحصاء.
وتشير أحدث البيانات المنشورة إلى أن 17,2 مليون شخص كانوا يتقاضون معاشًا مباشرًا من أنظمة التقاعد الفرنسية في نهاية عام 2023.
وبلغت نفقات التقاعد الإجمالية في فرنسا، بما يشمل المعاشات الأساسية والتكميلية، 422,2 مليار يورو في عام 2025، أي ما يعادل 24,3% من إجمالي الإنفاق العام، بحسب مجلس توجيه المعاشات التقاعدية.
هل تتجه الحكومة إلى خفض نسبة زيادة المعاشات؟
ومن بين الاقتراحات التي طرحها وزير الحسابات العامة، دافيد أمييل، إلغاء مبدأ ربط المعاشات الأساسية بالتضخم أو الحد من هذه الزيادة.
وجدير بالذكر أن هذا المبدأ منصوص عليه في القانون الفرنسي، ويُعاد بموجبه تقدير قيمة المعاشات الأساسية سنويًا وفق مستوى التضخم في البلاد.
وبما أن الحكومة تتوقع أن يبلغ التضخم نحو 2,1% في عام 2026، وهي السنة التي ستُستخدم كمرجع لإعادة تقييم المعاشات في 2027، فقد قدر دافيد أمييل أن الزيادة الكاملة لجميع المعاشات، وفق معدل التضخم، ستكلف خزينة الدولة أكثر من 6 مليارات يورو العام المقبل.
وهو مبلغ لا تملكه الدولة اليوم، وفق الوزير نفسه. وقال، بشكل مباشر: "هذه الأموال (يقصد 6 مليارات يورو) لا نملك اليوم منها ولو يورو واحدًا".
لذا، من المتوقع أن تدافع الحكومة عن خيار زيادة المعاشات بنسبة أقل من التضخم. أي أن المعاشات الأساسية سترتفع بالفعل، لكن بمعدل أقل من ارتفاع الأسعار، كما حدث في عام 2019، عندما حُددت الزيادة لجميع المعاشات الأساسية بـ0,3%.
وهناك أيضًا خيار إلغاء أو تقليص ربط المعاشات بالتضخم بشكل تدريجي، بحسب مستوى المعاش، بحيث يتم استهداف أصحاب المعاشات المرتفعة بصورة أكبر، مع محاولة حماية المتقاعدين الأكثر هشاشة.
ففي عام 2020، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة المعاشات الأساسية بنسبة 0,3% فقط للمتقاعدين الذين كانت قيمة مجموع معاشاتهم الأساسية والتكميلية تتجاوز 2000 يورو في الشهر، مقابل نحو 1% لمن كانت معاشاتهم عند 2000 يورو أو أقل.
وفي حال اقتصر الإجراء على المعاشات التي تتجاوز 2500 يورو شهريًا، فإنه سيشمل نحو 15% من المتقاعدين، وفق بيانات مديرية البحوث والدراسات والتقييم والإحصاء. أما إذا كان الحد عند 3000 يورو إجماليًا، فسيشمل نحو 8% فقط من المتقاعدين.
اقرأ أيضافرنسا: لوكورنو يتراجع عن تعهده ويلجأ لفرض ميزانية 2026 قسريا وتهديد بحجب الثقة عن حكومته
وهذا الخيار أيضًا لا يحظى بإجماع. فقد حاولت الحكومة بالفعل، في إطار موازنة 2026، تجميد المعاشات وبعض المساعدات الاجتماعية، لكن الإجراء المتعلق بالمعاشات لم يُعتمد في الصيغة الحكومية النهائية.
خطر "انفجار العجز"
هذا، وأكد وزير الحسابات العامة، دافيد أمييل، أن الحكومة تريد تحقيق توفير حتى لا يصبح العجز "أسوأ مما كان عليه في 2025"، عندما بلغ 5,1% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما حذر أمييل من أن الإبقاء على الزيادة الكاملة للمعاشات وفق التضخم قد يتطلب، في المقابل، إلغاء جزء من الإعفاء الضريبي البالغ 10% الممنوح على المعاشات والإيرادات التقاعدية، أو إلغاءه بالكامل.
ومن المقرر أن تبدأ هذه المشاورات خلال الأيام المقبلة مع ممثلي الكتل السياسية، لكن حزب فرنسا الأبية (أقصى اليسار) أعلن أنه لن يشارك في هذه المشاورات.
أما المتحدثة باسم التجمع الوطني (اليمين المتطرف)، لور لافاليت، فأكدت أن المساس بالمتقاعدين يشكل، بالنسبة إلى حزبها، "خطًا أحمر".